28

21 0 00

فقالت ريم و هي مصرة على مواصلة النقاش :

 قاسم يبدو لي غير مهتم ، بات معنيا بنفسه أكثر من أي وقت مضى ، حتى أنني أحيانا أشعر أنه يرانا عبئا يتمنى لو يلقه عن ظهره و يفر بأسرع وقت ممـكن ، هل هذه

حقيقة ، أم أنني أتوهم ؟ فقالت الأم و هي تضع بعضا من الثياب في خزانتها :

 قاسم مجروح يا ريم ، عنـــدما يحب الشـــاب و يصدم في حبه ، تتحول هذه الصدمة إلى ضربة ، تدفعه إلى التغيير ، و التغيير عند الرجال عادة أكثر حزما ، و عندما

يقررونه فإنهم ينفذون ما يقررون ، و قد كانت الأحداث سريعة و متلاحقة يمسك بعضها بزمام بعض ، تخرجه و ر فض حبه ، و وفاة والده ، و سفر مشين •• فجأة وسط كل هذه

الضبابات ينبت لديه حل سيخلصه من كل شيء ، من بلد تعيش فيها محبوبته ، و من أسرة مات عائلها ، و من قلة عمل ، قلة كرامة ، قلة إهتمام •• من السذاجة الإعتقاد

بأنه سيترك هذا الحل لأية اعتبارات •• و إن كان قاسم يحاول ظاهريا التملص من مشاعره نحونا فإنني متأكدة من أنه داخليا يعاني كثيرا ••ثم ابتسمت و قالت :

 كما عانى سعيد و يعاني منذ أحبك ، ماذا قررت بشأنه ؟ فقالت ريم :

 أمي ، ذكر سعيد يوم طلبني شيئا عن ابتعاده عن طريقي تلبية لرجاءك ، متى حدث هذا و لماذا ؟ فقالت الأم و مازالت تبتسم :

 منذ بداياتك الأولى في الجامعة على ما أذكر ، كان والدك يرحمه الله مسافرا و فاتحني سعيد بشأن الإرتباط بك ، و رفضت و طلبت منه أن يبتعد عن طريقك و يتركك تعيشين

حياتك كما ينبغي •• فقالت ريم :

 و لكنك اليوم موافقة على ارتباطي بهفأجابت الأم :

 الأمور تغيرت يا ريم ، و •• قاطعتها ريم و قالت و هي تبتسم بمرارة :

أصبحت مطلقة ، يتيمة ، وحيدة ، و لم أعد صغيرة فقد شارفت على الثلاثين ، سعيد بالنسبة لمن في ظروفي لقطة ، أليس كذلك يا أمي ؟ قالت الأم بهدوء :

 أريد أن أطمئن عليك ، لن يهدأ لي بال قبل أن أطمئن عليك يا ريم •• قالت ريم و في نبرتها حنان و تصميم :

 اطمئني يا أمي ، رغم كل الظروف التي ماعادت في صالحي ، فإنني بخير ، و لدي في دنياي ما يحملني ، و يبعد شبح الضياع عني •• فقالت الأم بأمل :

 ستتزوجين من سعيد ؟ هزت ريم رأسها و قالت :

 سعيد يستحق من هي أفضل مني ، أما أنا •• فلا ••

في المجلة كانت هناك مفـــاجأة سارة لريم ، لقد كون رئيس التحرير فريقا لزيارة الحدود و الإلتقاء مع المبعدين عليها ، و اختيرت ريم ضمن هذا الفريق ، لتتمكن

من رسم الموضوع بشكل أفضل ، شعرت و هي تتلقى التكليف بسعادة فائقة ، انتفضت كل ذرة في كيانها لهذا القرار ، إنه القرار الذي كانت تحتاجه بالفعل، لأول مرة

تتفاعل مباشرة مع الحدثالفلسطيني ، لأول مرة لن تقرؤه مثل ملايين البشر ، ستقرؤه في الوجوه ، في الخيام ، في صيحات الصغار ، ستقرؤه في قرص الشمس المسلط عليهم

، و في الرمال الصفراء المتطايرة حولهم ، هذا حقا ما تحتاج •• عندما جاء إليها سعيد ليصحبها إلى المنزل ، قدمت إليه علامات السعادة على وجهها خبرا كاذبا عن

موافقتها على عرضه ، فقال و هو يسير نشيطا بجوارها :

 اللهم اجعله خيراقالت و هي تستشعر ابتسامتها في قلبها :

 سأسافر إلى الحدود •• نظر إليها ، كأنه لم يفهم ، انسحبت ابتسامته ، قال :

 تسافرين إلى الحدود ؟ فقالت و هي تؤكد :

 نعم ، كلفت ضمن الفريق الإعلامي المسافر إلى هناك ، سأرى معاناة جديدة للاجئين ، أعيش معهم ساعات ، أسجل خلالها هذه المعاناة ، أدعو الله لي بالتوفيق •• قال

سعيد بسرعة :

 سآتي معك ••قالت ريم مندهشة :

 

 تأتي معي ؟ إنها ليست رحلة إستجمام يا سعيد ، رحلة عمل ، و أعتقد أننا سنطالب عند الحــدود بأوراق رسميــة تثبت جهات عملنا للسماح لنا بالدخول ، فكيف ستدخل

أنت ؟ فقال و هو يكز على أسنانه مصمما :

 سآتي معك يا ريم و لو اقتضى الأمر التسلل عبر الحدود •• نظرت إليه ريم و هزت رأسها مبتسمة و قالت :

 مجنون ••!!

***

انتهى قاسم من تجهيز أوراقه كلها ، أصبح جاهزا تماما للسفر ، جمع المال اللازم و اشترى الملابس المناسبة لشاب لا يعرف هناك مصيره ، و كان في الفترة الأخيرة

يكثر من قراءة الكتب باللغة الإنجليزية عن الحياة في أمريكا حصل عليها من السفارة ، و يتابع الأفلام الغربية ، و لا يرى إلا و جهاز تسجيل صغير به شريط أجنبي

حول أذنيه ، شعرت أسرته أنه سافر قبل أن يسافر ، فلم يعد يهتم كثيرا بما يجري حوله في المنزل ، و عندما طلبت منه الأم مرافقتها إلى ادارة الوافدين لتحضر شهادة

تعفي سمر من مصاريف الدراسة باعتبار وفاة أبيها الفلسطيني قال و هو يعود إلى مسجله :

 اذهبي مع سعيد •• لم تعلق الأم فقالت ريم :

 متى تسافر يا قاسم ؟ رفع السماعات و قال بحماس كبير :

 الأسبوع القادم •• فقالت و هي تتنهد :

 قل إن شاء الله •• أغلق التسجيل و قد أستشعر خجل داخلي فهمس :

 إن شاء الله •• *** في المساء عندما جاء سعيد لتفقد أحوال الأســرة كعادته تعمدت الأم الخروج لإعداد الشاي و هي موقنة أن حديثا هاما لابد أن تنتهي منه ريم

مع سعيد ، بادرته ريم :

 كنت سمعت أن عرضا مغريا لشراء لوحة لاجئة قد جاءك فهل بعت ؟ أطرق سعيد ، داخله غضب من هذا السؤال شعر أنه يريد أن يصرخ ، أن ينهض ليهز فيها الاعماق ، ليحرك

بحرها الراكد ، ليقتلع بردوها ، تجاهلها ، هدوءها قال و هو يكز على شفته السفلى:

 ستة أعوام يا ريم ، ستة أعوام و مازلت تسألين ببرود قاتل ، ألم تعرفي بعد ، هل فشلت إلى هذا الحد في إيصال مشاعري إليك ؟ فركت ريم يدها و تنهدت و هي تقول :

 لم تصدقني يا سعيد عندما أخبرتك أنني تغيرت •• أعتبرتها من قبيل الحجج الواهية ، لكنني فعلا تغيرت •• تجربتي مع سهيل لم تكن سهلة ، كانت خليطا مريعا من الأحاسيس

•• منذ طلاقي لم أتحدث مع مخلــــوق بهذا الشأن ، لكنني أجد نفسي مــدفوعة للحديث إليك •• لأنك أنت ، و أنت تحديدا من أنقذني منه ••أجابت على سؤال عينيه بابتسامة

حزينة و قالت كأنها تحدث نفسها :

 في ذلك اليوم حلمت بك ، كنت تصيح بي أهــــربي يا ريم ، هيا أهربي •• لم يكــن حلما يا سعيد كان رسالة خلاص ، كان عملية إنقاذ أنت قائدها •• رغم دموع سهيل

النادمة يومها كان صوتك أقوى ، كنت أسمعه يطغى على كل واقعي ، يبـــسط نفسه على إرادتي ، و في ذلك اليوم تحديدا ، وصلت مع سهيل إلى مرحلة انكسار لن تتخيلها

مهما حاولت ، قدمت له بيدي السكين ليقتلني •• كنت جادة جدا فيما أفعل ، في لحظة هانت الدنيا ، هانت الحياة ، فرغت تماما ، صارت عدم ، في لحظة رفض كل سنتيمتر

في جسدي البقاء في الدنيا •• كانت كرامتي مذبوحة ، كنت ضعيفة ، كنت منكسرة ، كنت وحيدة •• شعرت أنني مت فعلا و لم يبق سوى خروج الــــروح ، فجأة شعـــرت أنني

ضئيلة ، ضـئيلة جدا ، و لا أستحق الحياة ، القيت إليه بالسكين و رجوته أن يقتلني •• لحظة إنكسار مــــريعة ، يصعب وصفـــــها ، لـــكنها وسمتني إلى الأبد ••

أحرقت بيادري ، و حجمت مشاعري ، جعلت قلبي مجــــرد مضخة دم يؤدي وظيـــــفة ثانوية تمنحني حياة لا أريدها •• منذ ذلك اليــوم و أنا أسخر حتى الـــــذوبان من

أي عبارة حب ، من أية أغنية حب ، من أي قصة حب •• يقين داخلي جعل من هذه الكلمة شيئا مقرفا يشبه مضغة من لحمي يلوكها سهيل ثم يقذفها أرضا و يدوسها بقدمه ••

الحياة كلها كانت تؤكد هذا اليقين يوما بعد يوم ، كل موقف مررنا به ، كل يوم عشنا فيه المرارة و الذل ••كل التفاصيل ، و كل العذابات ، كانوا يمنحونني مباركتهم

على يقيني •• أنت الشيء الوحيد الغريب في منظومة الكون حولي ، أنت الوحيد الذي مازال يؤمن بأن مضخة الدم في جوفه قادرة على ضخ الحب ، و لسوء حظك فإنني أنا بالذات

المعنية بهذا الحب ••صدقني يا سعيد أنا لا أستحقه •• لا أفهمه ، لا أشعر به •• لا أريده ••كانت عينا سعيد قد امتلئت حتى فاضت بدموع صامتة ، قال و هو يضرب

كفا مكورا في كف :

 المجرم •• فقالت و هي تجلس بجواره :

 ستــــندهش إذا عرفت أنني رغم كــــل شيء سامحــــته ، لم أعــد أشعر بكراهية تجاهه ، لا كراهية ، و لا حب •• ربما لأن قلبي لم يعـــد يحمل مشاعر •• لم يعــــد

قـــادرا على حب ، أو على كراهية •• أمسك سعيد يدها ، كانت يده باردة ، مبتلة عرقا ، قال و هو يضغط عليها :

 أنت خائفة يا حبيبتي •• مذعورة •• قلبك صنع غلافا من قسوة ليحمي به نفسه ، لكنني متأكد أن خلف هذا الغلاف القاسي قلبا حساسا مازال قادرا على الحب و العطاء

، قادرا على مهادنة الدنيا ، على الغفران ، أنت عظيمة يا ريم •• لم يكن ما حدث معك في تلك الليلة انكسارا كما تقولين ، كان انتصار ، انتصرت بنفسك على منطق الغاب

الذي فرض نفسه علىكما آنذاك •• رفض الإنسان داخلك لغة الحيوانات و قررت الأنسحاب •• أنسحابك كان انتصارا لإنسانيتك يا حبيبتي •• لابد أن تفهمي هذا •• لابد أن

تؤمني بأنك كنت الأقوى ، رغم ضعفك ، و هول الموقف لكنك كنت الأقوى •• لا تجعلي من هذه الحادثة وهما تعيشين فيه •• لا تجلدي ذاتك ، فقد كنت الأقوى •• الأقوى

يا حبيبتي •• كانت دموع ريم تسقط حثيثا •• كانت تشعر بعظمة هذا القلب المحب أمامها ، كانت تتمنى لو تستطيع مجاراته ، كانت تتمني لو يستــــطيع قلبها المتعب

أن يتخــــلص من رفـضه و عناده فيمنح هذا الإنسان المحب حقا عليه ، و يكتب معه معاهدة وفاق •• كاد لسانها أن يتمرد عليها فيعلن الموافقة صريحة قوية ، لكن قبلة

ساخنة طبعها سعيد على جبينها أودع فيها كل تعاطفه و حبه في لحظة لم تنتبه لها ريم أفاقتها •• نزعت يدها بسرعة ، مسحت دموعها ، كان جبينها ملتهب ، شعرت أن قبلته

أحرقتها ، و أدركت أنها أبدا لن تستطيع منحه ما يريد •• هزت رأسها و قالت بسرعة و هي تغادر الغرفة :

 لا فائدة يا سعيد •• لا فائدة ••لن أستطيع •• لن أستطيعأطرق سعيد ، لمح دمعته و هي تسقط أرضا مس شفتيه بأصابعه و قال بصوت أودع فيه كل أحاسيسه :

 أحبك يا ريم •• أحبك أيتها المعذبة الصغيرة •• *** سافر قاسم •• ذهبت معه كل العائلة تودعه ، كان يقبض طيلة الطريق على أوراقه ، يحتضن حقيبته الصغيرة ، يلوذ

ببرودتهم من مشاعر قوية كانت تراوده عن التراجع ، كان يتشبث بهما كأنه يتشبث بالحياة ، كان يجلس بجوار أمه ، كانت تحتضنه ، قلبها كان يقول كل شيء لكن شفتيها

كانت صامتة ، دقات قلبها التي كانت قوية في أذنيه كانت تقرأ عليه تفاصيل الرسالة ، كان يسمعها تردد آيات القرآن لتحفظه ، و تتلو عليه أدعية كثيرة ، و تخلط حديثها

الصامت برجاء لا حروف له ليبقى معها ، كانت سطور رسالتها تتلاحق فتختلط حروفها و تتشتت افكارها ، كان يشعر بيدها تمسد رأسه تارة ، و تحتوي كتفيه تارة أخرى ،

كان يشعر بأنفاسها الملتهبة تهب عليه فتحرق بشرته ، لم يجرؤ على رفع نظره إليها ، كان يدرك كم هو ضعيف إزاء عيونها الدامعة ، قالت ريم لتقطع الصمت :

 أين ستقيم يا قاسم ؟ قال و هو يحاول اكساب صوته قوة ليبث الأمن في قلب أمه :

 زودتني السفارة بأسماء و عناوين بعض الفنادق الصغيرة ذات الأسعار المعتدلة ، كما أنهم زودوني بجهات مختلفة يمكن أن أطلب فيها عملا ، أعتقد أن الأمر سيكون بسيطا

•• قالت ريم بصوت حاولت بدورها إكسابه القوة اللازمة :

 أعرف أنك لا تحب كتابة الرسائل ، لكن يجب أن تراسلنا ، تعرف كم سنتلهف على أخبارك •• قال و هو يتحدث بقلب واجف :

 سأكتب إليكم كل يوم ، لن تشعروا أبدا بغربتي عنكم ، صدقيني •• نظر لأمه و قد أوشكت السيارة على وصول المطار ، قال بحنان و رجاء :

 صدقيني يا أمي ، صدقيني سأكتب لك كل يوم ، صدقيني سأكون بخير •• أحكمت الأم لف ذراعها حوله ، ربتت عليه و لم تتكلم ، كانت تدرك أن أية كلمة تقولها لن يكون

لها إلا معنى واحد ا، أن تنفجر في بكاء لن يحتمله قلب الحبيب المسافر •• وصلوا المطار •• كانت الصالة باردة ، استشعروا برودتها في أعماقهم ، أجلسهم قاسم في

أحد الأركان و ذهب لإنهاء إجراءاته ••احتضنت ريم أمها و قالت :

 سيعود يا أمي ، سيعود يا صابرة •• فجأة بكت الأم ، لم تقو على تحمل المزيد ، كانت ستنفجر ، داخلها كان يهدر ، كانت تريد أن تعبر عن حزنها ، قالت و هي تدفع

ريم برفق :

 أنظري هل يرانا ؟ تطلعت ريم إليه ، كان بعيدا منشغلا ، قالت :

 لا يا أم قاسم ، لا يرانا •• قالت الأم و هي تلتقط دموعها في منديلها ، و تحاول إيقافها بلا جدوى :

 ينبغي ألا يراني أبكي ، سيعذبه هذا كثيرا •• يجب أن أسكت ، يجب أن أسكت •• كانت تردد الكلمة الأخيرة و هي تبكي ، تكتم شهقاتها ، تجبر نفسها على السكوت فلا

تطاوعها عيونها ، و عندما بدا قاسم قادما باتجاههم ، مسحت دموعها بسرعة ، ابتلعت غصتها ، و حاولت رسم ابتسامة ، كان قاسم بدوره يبتسم قال و هو يطالع عيونها

الحمراء :

 انتهت الإجراءات ، علي الدخول لصالة التفتيش ، جئت لوداعكم •• رفعت الأم رأسها نحوه ، لم تجد في نفسها القوة على القيام ، مدت يدها تجاهه فمال عليها احتضنته

، ثم تشبثت به ، فاضطر إلى الركوع أمامها ، كان يحس قوة ذراعيها حوله ، كانت تريد زرعه في قلبها ، كانت تتمنى لو أن حضنها يرغمه على الدخول مجددا إلى أحشائها

التي حملته يوما ، كانت تربت ربتات قوية على ظهره ، كانت تقول :

 سأفتقدك يا حبيبي ، سأفتقدك يا قاسم ، سأفتقدك يا غالي •• بكى قاسم ، لم يستطع مقاومة دموعه ، قال و هو يحكم ذراعيه حولها و يحاول التلطف بها حتى لا يؤذيها:

 لن أجعلك تشعرين بغربتي ، ساراسلك دوما ، سوف تنزعجين من رسائلي المتواصلة إليك ، لقد قدمت على هاتف ، لعله يأتي خلال فترة قصيرة فأكلمك كل يوم •• أخذ يقبل

يديها قبلات كثيرة و يقول :

 لا تنسيني بدعائك يا أمي ، لا تغضبي علي يا أمي ، أنا أحبك يا أمي ، أحبك ، أقسم بالله أنك أغلى عندي من نفسي •• و أمه في كل هذا ترد مؤكدة أنها لن تنساه ،

ستدعو له دوما ، راضية عنه حتى تموت ،صوت ميعاد الرحلة قطع حديث العاطفة بينهما ، فنهض ، سلم على ريم قال لها و هو يقبلها :

 ستدركين يا ريم أنني كنت محقا عندما تصلك أخباري ، لا تحملي علي في قلبك الشفاف غضبا ، فأنا لست أنانيا ، أو عاقا ، و إنما أبحث عن غدي ، فلا تلوميني يا أختي

•• ربتت ريم على يده و قالت و هي تبتسم و تشرق بدموعها :

 لست غاضبة ، و أسأل الله أن يوفقك فيما أنت ذاهب إليهفي غير معصية أو ذنب •• قبل سمر و احتضنها ، وعدها بالكثير من الهدايا فقالت الأم :

 ضع الله نصب عينيك ياقاسم ، إياك و ترك الصلاة ، إياك و الإستجابة لشياطين الإنس حولك ، بلد غريب و طباع غريبة لا تجعل قلبي يأكلني عليك •• عاد يقبلها و هو

يطمئنها على ما أوصت ، نداء آخر جعله ينزع نفسه منهن نزعا ، تركهن و سار بظهره و هو يشير إليهن ، كن يسرن أمامه ، يلوحن له ، يمسحن دموعهن ، فجأة ظهر سعيد ،

كان يركض ، اتجه بسرعة نحوه ، قبله و احتضنه قال : كيف تصورت أنك ستسافر دون أن أودعك يا قاسم ••؟ قال قاسم و هو يضرب كتفه :

 كنت أعلم أنك الأكبر و الأعظم يا سعيد ، دوما كنت الأكبر و الأعظم ، إنهم يحتاجونك ، لا تجعل موقف ريم يمنعك عنهم ، إنها أكثر الناس حاجة إليك رغم عنادها ••

تطلع إليهم سعيد و قال مبتسما :

 و هل تعتقد أني سأتركهم ؟ النداء الأخير ، و اختفى قاسم •• قال سعيد و هو ينضم إليهن :

 هيا بنا •• لا فائدة من الإنتظار •• و استجاب الجميع ، دوما كان له عليهم كلمة مسموعة ، منحوها له منذ أوصاه الأب بهم عندما سافر قبل سنوات كثيرة •• تطلعت

ريم إليه و استجابت باسمة للسير خلفه باتجاه سيارته خارج المطار •• *** بدورها بعد أيام قليلة سافرت ريم ••كانت متحمسة جدا لهذه الرحلة ، جهزت أدواتها بعناية

، و قالت و هي تجهز حقيبتها الصغيرة :

 لا أعرف كم يوما سنبقى هناك ، ربما يومين أو ثلاثة ، لا أعرف ، يفضل أن آخذ معي بعض الأغراض البسيطة •• قالت لها الأم و هي تبتسم بهدوء :

 تشتعلين حماسا يا ريمفقالت و هي تهز رأسها :

 بالطبع يا أمي ، إنني أخيرا سألمس عن قرب معاناة شعبي الحقيقية ، هذا سيمنح رؤيتي بعدا أكبر ، و يعطي أدواتي الفنية زخما أكبر ، ليتهم ينظمون رحلة إلى فلسطين

نفسها لأراها و أعرفها أكثر •• ثم انسحبت ابتسامتها الهادئة عن وجوم قائلة :

 رغم أن لاشيء لي هناك ••فقالت الأم و هي تبتسم :

 لماذا ؟ لك بيت هناك ، بيت أبيك في غزةفقالت ريم و هي تبتسم بمرارة :

 أخبرني تامر أن اليهود استولوا عليه ، و بعد وفاة جدتي يرحمها الله ، غادر عمي بدر إلى القطاع حيث تعيش زوجته الأخيرة •• قال إنه عجز عن اثبات حقه في البيت

رغم أنه عاش فيه عمره كله •• أية مهزلة ؟قالت الأم و هي تدق جبينها بيدها :

 تذكرت •• لقد تذكرت يا ريم ••فقالت ريم بدهشة :

 ماذا تذكرت يا أمي ؟ قالت الأم و هي تتجه إلى غرفتها بسرعة :

 اتبعيني •• تبعتها ريم و راقبتها و هي تفتح خزانتها ، و تخرج حقيبة قديمة كانت قد فتحتها يوما لتخرج منها قائمة بأسماء و عناوين الأقرباء ، اشتعل فضول ريم

لما يمكن أن يخرج هذه المرة من الحقيبة القديمة ، جلست الأم على السرير ، فتحت الحقيبة ، فتخيلت ريم لفرط فضولها أن نورا سيسطع بعد قليل من الأوراق القديمة

أمامها •• قصاصات جرائد تحمل أخبارا و صورا عن فلسطين و المقاومة الداخلية ، و هزيمة 76 و غير ذلك من أحداث ، أمسكت ريم الحقيبة ، وضعتها على حجرها فتحت الصحف

برفق و تصفحتها بحرص ، وجدت في إحداها صورة على ركن منها دائرة بالقلم الأحمر ، تحت الصورة كتبت عبــارة " قطاع غزه يلتهب " قالت الأم بحماس و هي تخرج الملف

الأصفر القديم :

 انظري ، هذه حجة البيت •• هذه حجة البيتقالت ريم و هي تلقف منها الملف :

 أي بيت ؟ قالت الأم :

 أخبرني أبوك يرحمه الله ، أنه اصطحب معه حين غادر غزة هذه الحجة سهوا بعد أن أعطاها له والده ليلة سفره و أوصاه بالمحافظة عليها ، قال إنه كان عليه تركها للباقين

منهم هناك ، لكنه نسي ، هذه الدائرة فوق الصورة هي للبيت ، كان مصورا صحفيا قد التقطها لقطاع غزة عام 76 ، قال لي والدك و هو يحتفظ بالقصاصة ، إن هذا هو بيتهم